فخر الدين الرازي

126

المطالب العالية من العلم الإلهي

الكاذب ، وإلا لزم تعجيزه « 1 » على أن يعرفنا صدق الأنبياء بالاكتساب . ونحن نقول : وجب أن لا يصح من اللّه تعريفنا صدق الأنبياء بالاكتساب ، وإلا لزم تعجيزه عن خلق المعجزات ، عقيب دعوى الكذاب . ولما كان ممتنعا في نفسه ، لم يكن عدم القدرة عليه عجزا . قلنا : ولم ينفصلون عمن يقول : دلالة المعجز على الصدق ، لما كانت ممتنعة لنفسها ، لم يكن عدم القدرة على خلق هذا الدليل : عجزا ؟ . وبالجملة : فلا فرق بين الجانبين . الرابع : وهو أن قولكم : إنه تعالى لا يصح منه خلق المعجز عقيب دعوى الكاذب : كلام باطل . لأن فلق القمر ، عقيب تكلم « 2 » إنسان بكلام كذب ، ممكن في نفسه . واللّه تعالى قادر على كل الممكنات ، فيمتنع حصول هذا الامتناع ، نظرا إلى القدرة ، ويمتنع أيضا حصوله نظرا إلى الداعي . لأن قبح القبائح ، لا تأثير لها عندكم في هذا الباب . ولما ثبت أنه لا يمكن القول بحصول هذا الامتناع . لا نظرا إلى القدرة ، ولا نظرا إلى الإرادة والداعي . كان القول بثبوت هذا الامتناع : باطلا قطعا . الوجه الثاني في بيان أن القول بأن اللّه تعالى خالق لأعمال العباد ، يمنع من القول بإثبات النبوات : وذلك لأن المقصود من بعثة الأنبياء - عليهم السلام - إلى الخلق : دعوتهم إلى الطاعات ، ومنعهم عن القبائح والمنكرات . لكن دعوة الخلق إلى هذه الأشياء إنما تعقل عند كونهم قادرين على الأفعال . لأن قبح تكليف العاجز ، معلوم في بدائه العقول . فإذا لم يكن العبد مستقلا بالفعل والترك ، كان تكليفه تكليفا للعاجز . فثبت : أن القول بأن العبد غير موجد لأفعال نفسه ، ينافي الإقرار بالنبوة . الوجه الثالث : إن الكتب الإلهية بأسرها ناطقة بأن العباد قادرون على

--> ( 1 ) تعجزة ( م ) . ( 2 ) تكله ( م ) .